ليلى.. خِلافَةُ القلبِ وعَرشُ القَصيدة
مطلعُ الرِّحلة: حَيْثُ تَبْدَأُ الدُّوامَة
أغلقْ عينيكَ قليلاً، واستنشقْ هواءً محملاً برائحةِ "العرار" ونفحاتِ "نجد" القديمة. نحن الآن في قلبِ البادية، حيثُ الشمسُ لا ترحم، والرمالُ مِحبرةٌ كبرى تنتظرُ مَن يكتبُ عليها بدموعِه. هناك، بين خيامِ بني عامر، يَمشي فتىً نهشتهُ الحيرة، ليس بسببِ قحطِ السماء، بل بسببِ "سديمٍ" يسكنُ عينيه يُسمى: ليلى.
الابتلاءُ العَذْب: مِحْنَةٌ أم مِّنْحَة؟
لم يكن قيسُ بنُ الملوحِ شاعراً فحسب، بل كان "قُرباناً" قُدِّم على مذبحِ الوجد. فحين يشتدُّ عليه لومُ اللائمين، وتتعالى الأصواتُ من حولِه: "يَقولونَ لَيلى عَذَّبَتكَ بِحُبِّها" ، يبتسمُ بمرارةٍ الصوفيِّ الذي رأى ما لم يروه، ويجيبُ بقلبٍ يتقطرُ شوقاً: "أَلا حَبَّذا ذاكَ الحَبيبُ المُعَذِّبُ !" .
إنَّ عذابَ ليلى عند قيسٍ هو "النعيمُ" الذي يرفضُ التخلي عنه. إنه الابتلاءُ الذي اختارهُ القدرُ له دون سائرِ البشر، فكأنه يعاتبُ الغيبَ بلينِ المُنكسر: "قَضاها لِغَيري وَاِبتَلاني بِحُبِّها.. فَهَلّا بِشَيءٍ غَيرِ لَيلى اِبتَلانِيا؟" . هو لا يطلبُ رَفْعَ البلاء، بل يندهشُ من "تخصيصِ" ليلى بالذات لتكون هي مكمنَ الوجعِ ومنبعَ الوجود.
تِيـهُ المَجْنُون: حِين تَصِيرُ ليلى هي العَالَم
سِرْ معي قليلاً في أعماقِ الصحراء، حيثُ الصدى يترددُ بكلمةٍ واحدةٍ لا غير. لقد "تَعَشَّقتُ لَيلى وَاِبتُليتُ بِحُبِّها" ، فصارَ كلُّ رملٍ هو خيالُها، وكلُّ نجمٍ هو وميضُ عينها. ولم يبقَ لهذا الفتى ملجأٌ إلا السماء، فرفعَ طرفَهُ المكلوم ونادى: "إِلى اللَهِ أَشكو حُبَّ لَيلى" .
لم تكن شكواهُ طلباً للخلاص، بل كانت "اعترافاً" بعجزِ القوةِ البشريةِ أمام طغيانِ العاطفة. قيسٌ لم يَعُد يرى من الدُّنيا إلا "ليلاه"، حتى غدا الوجودُ في عينيه ضيقاً لا يتسعُ إلا لاسمها. لكنَّ العجيبَ أنه حتى في ذروةِ شكواه، لا يرجو الشفاء من عِلّتِه، بل يرجو دوامَها:
يا رَبُّ لا تَسلُبَنّي حُبَّها أَبَداً
وَيَرحَمُ اللَهُ عَبداً قالَ آمينا
خِلافَةُ العِشْق: الإجابةُ الفاصلة
في لحظةٍ فارقةٍ من تاريخِ الأمة، والناسُ يختصمون في السُّلطةِ والجاه، سُئل قيسٌ -المغيبُ في مَلَكوتِه-: "مَن أحقُّ بالخلافة، بنو العباسِ أم بنو هاشم؟" .
توقفَ الزمنُ لثانية، جفَّ الريقُ في حلوقِ السائلين بانتظارِ رأيٍ سياسيٍّ رصين، فخرجت الكلمةُ من شفتيهِ كطلقةِ نورٍ تَهدمُ قصورَ السياسة: "لَيْـلَـى!" .
لم تكن سخرية، بل كانت أصدقَ موقفٍ فكريٍّ عرفه التاريخ. فعندما يمتلئُ القلبُ بقضيةٍ كبرى، تصبحُ "الخلافاتُ" السياسيةُ وتيجانُ الملوكِ مجردَ غبارٍ لا قيمةَ له أمامَ "بُرقعِ" ليلى. ليلى هي خِلافتُه، وهي دولتُه، وهي الدستورُ الذي تُنظمُ به نبضاتُ قلبه.
خاتمة: رَحيلٌ بَقِيَ مَعَنا
غابَ قيسٌ في رمالِ نجد، وماتَ وحيداً وهو يخطُّ اسمَ ليلى على الحجارة، لكنَّ ألمَه لم يَمُت. ظلَّ طيفُها يلاحقُه في وحشته، وظلَّ يقتاتُ على ذاك الأملِ الضئيل الذي رَدَّدَه يوماً بيقينِ اليائس:
وَقَد يَجمَعِ اللَهُ الشَتيتَينِ بَعدَ ما
يَظُنّانِ كُلَّ الظَنِّ أَلّا تَلاقِيا
رحلَ قيس، وبقيت قصائدهُ تذكرنا أنَّ الحبَّ الصادقَ هو "زهدٌ" في كلِّ شيءٍ عدا المحبوب، وأنَّ العذابَ في سبيلِ الجمالِ هو أرقى أنواعِ الحرية.
سؤالٌ لك عزيزي المحب:
بين ضجيجِ صراعاتِنا اليوميةِ على "الخِلافةِ" والمكانة، هل تملكُ في حياتكَ "ليلى" واحدة.. تَهُونُ
أمامها تيجانُ الملوك

