أنا التي عُرفتُ يوماً بين الصَّحبِ بكبريائي العاصي، وشخصيتي القوية التي لا تلوينها العواصف، ولا يستبيح حماها عابر؛ أنا التي ظننتُ أن قلبي حصنٌ مشيدٌ لا يطرق بابه بشر إلا وارتدّ خائباً. لكن الخيبات تتقن اختيار توقيتها، ولهذا، لستُ أدري كيف استطاع هو - دوناً عن سائر العالمين - أن يهدم تلك القلاع بلمحة، ويسلبني وقاري، ويتركني وحيدةً أجرّ أذيال هزيمتي أمام نفسي.
إنها مرارة "الحب من طرف واحد"؛ العقدة النفسية التي لا دواء لها، والوجع الذي يأكل الروح في صمت كالنار في الحطب المسجور.
أن تعرف عن الآخَر كل شيء، تفاصيله الصغيرة، لمعة عينيه حين يفرح، نبرة صوته حين يجهده التعب، دبيب خطواته في الممرات، بينما هو.. لا يدري بوجودكِ من الأساس ! أن تتبعه وتقتفي أثره دون علمه، أن تراقبه من بعيد، متوسدةً الصمت كخطيئة لا غفران لها. يقولون إن مراقبة من تحب دون علمه هي أصدق مشاعر الحب، نعم، هي صادقة حد الموت، وموجعة بحجم ذلك الصدق النقي؛ لأنها حبٌّ بلا صدى، نداءٌ في وادٍ سحيق لا يعود إليكِ منه سوى صدى صوتكِ الجريح.
هو جميل، أجمل ما رأت عيني في هذا العالم، خُلق ليكون قِبلةً لنظراتي، ولكنَّ المأساة تكمن في أنه أعمى عن رؤيتي، يمرّ بي كأنني نسمة هواء عابرة. يا ليتَهُ يَرى نَفْسَهُ بعيوني ولو لمرة واحدة ! ليته يبصرُ كم هو آسِرٌ ومُهِيْمِنٌ في ملكوت قلبي، لعله يَسْتَوْعِب حَجْم الجناية التي يَرتَكبُهَا بهذا الغياب. وكل ما أتمناه، كل ما يبتهل به قلبي في خلواته، هو أن يراني.. أن يراني كما أراه، بنظرة دهشة واحدة تعيد إليّ اعتباري وكبريائي الجريح.
لطالما تمنيتُ في دخيلة نفسي لو أنَّ أيام الامتحانات تطول، لا لشيء، بل لكي أحظى بفرصة أطول لرؤيته، لأتتبعه في أروقة الجامعة، وأعلم أين يكون، فيتحول القلق من الاختبارات إلى لهفة اللقاء العابر.
كنتُ أسرق النظر، وأتَعَمَّدُ العُبُورَ فِي مَدَى رُؤْيَاهُ، أَسْتَجْدِي مِنَ القَدَرِ التِفَاتَةً عَابِرَة. هو لا يعلم أنني قبل أن أخرج من بيتي كل يوم، أقف أمام مرآتي طويلاً، أستجمع كل أنوثتي، وأحرص أن أكون في أبهى وأجمل صورة؛ فقط لكي إذا لمحني يوماً، يجدني جميلة كما أراه. ولكن، ما أقسى المرايا حين تَكذِب!
لقد جَمَعتُ شتات شجاعتي ذات يوم وحدثته، فجاءتني منه الصفعة النفسية التي كسرت قلبي وأدمت كبريائي؛ قَالها ببرودٍ قاتل: "أنا لا أعرفكِ!" .
كلمتان اثنتان، كانتا كفيلتين بهدم كل أحلام اليقظة. لقد اتضح أنه لم يكن يراني مطلقاً، وأن كل محاولاتي لافتتاح مساحة في كونه كانت هباءً منثوراً. ولأنني كنتُ متساهلةً معه، متنازلةً عن حصوني التي لم يطأها أحد غيره، لم يلمح هو تلك الأنثى القوية ذات الشخصية المهيبة؛ بل لعلّه - ويا لشدة الوجع - لم يرَ فيّ سوى فتاةٍ أخرى تجري خلفه وتستجدي اهتمامه !
لكن، هل في هذا النفق المظلم من أمل؟
إنه جافٌ معي، باردٌ بطريقة موجعة تكسر في نفسي كل محاولة للتقرب؛ لستُ أرى فيه سوى لوحِ ثلجٍ صلدٍ لا تؤثر فيه حرارة أشواقي. أنا هنا، أحترقُ شوقاً، وتلتهم النار أطرافي، وهو هناك.. قابعٌ في صقيعه البارد. والأسوأ من هذا الاحتراق، والأنكى من هذا البرود، هو ذلك الشبح الجاثم فوق صدري؛ احتمال أن يكون هذا الجفاء خلفه فتاةٌ أخرى استوطنت قلبه، وأنه يمنحها هي كل الدفء الذي أحرم منه، ويراها جميلةً دون أن تتجمل !
مشكلتي الكبرى أنني لا أقوى على التراجع؛ فهو الحب الأول، والذين يعانون من جرح الحب الأول يعلمون أن اقتلاع الجذور الأولى من التربة قد يتسبب في موت النبتة كلها. تتصارع في داخلي كبرياء الأنثى التي تأبى الانحناء، ولهفة العاشقة التي ترتضى بالفتات. فإلى متى يظل هذا الاحتراق صامتاً؟ وإلى متى أظعن في السفر نحو قلبٍ موصد؟


المقال كتبته ك نوع من الفضفضة
مش طالبة منكم نصيحة ولا إن حد يلومني أو يغلطني لإنه غصب عني
تذكرت رواية رسالة مجهولة
نفس القصه مع فتاه عمرها 13 سنه تحب شخص مايتعرف عليها