وهم الاستعلاء الأخلاقي
يقعُ الكثيرُ منا في فخٍّ نَفْسِيٍّ يُسَمِّيهِ عُلماءُ النفس "الاستعلاء الأخلاقي" (Moral Superiority) ، وهو الشعورُ بأننا أفضلُ مِمنْ يرتكبون بعضَ الذنوبِ أو الأخطاء. نَنْظرُ إليهم بعينِ الناقدِ المتفائلِ بِطُهْرِه، غافلين عن حقيقةٍ جَوْهَرِيَّة: أنَّ امتناعنا عن ذاك الفِعْل قد لا يكونُ نابعاً من قوّةِ مَبادئنا، بَلْ بساطةً لأنَّ هذا الفعلَ لا يُمثِّلُ لنا إغراءً حقيقياً. فهلْ نَسْتَحِقُّ الثَّناءَ على مَعركةٍ لم نَخُضْهَا أصلاً؟
هل هي مَبادئٌ أم غِيابُ دَوَافِع؟
من الناحية العِلْمية، يختلفُ التركيبُ البيولوجي والنفسي من فردٍ لآخر؛ فَمَا يراهُ شَخْصٌ ما "مُغرياً" لدرجةِ الألم (نتيجةَ ظروفٍ بيئية، أو كيميائية في الدماغ مثل استجابةِ الدوبامين)، قد يراهُ آخَرُ أمراً عادياً لا يثيرُ اهتمامَه.
يقولُ الفيلسوفُ (نيتشه) في مَعرضِ حديثِه عن "الفضيلةِ الزائفة": "إنَّ الكثيرين ممن يفتقرون إلى المخالبِ، يظنون أنفسَهم طَيِّبِي القَلْب"؛ وهنا تكمنُ الفجوة. الفضيلةُ الحقيقيةُ لا تتجلى في غيابِ الرغبة، بل في وجودِ رغبةٍ عارمةٍ يتمُّ كَبْحُها بِسُلطانِ الإرادة. لذا، فإنَّ "تجنُّبَ خطيئةٍ لا تستهويك" هو حالةٌ من الحِيادِ وليسَ نصراً أخلاقياً.
.نحمدُ اللهَ أنَّ مَبادئنا لَمْ تُخْتَبَرْ
ثَمَّةَ مفهومٌ في عِلمِ الاجتماع يُعرفُ بـ "قوّةِ الموقف" (The Power of the Situation) ، والذي أثبتتْهُ تجاربُ شهيرة (مثل تجربة ميلغرام). هذه التجاربُ تُشيرُ إلى أنَّ الإنسانَ "الخيِّر" قد يرتكبُ أفعالاً صادمةً إذا وُضِعَ تحت ضغوطٍ مُعينة أو في سياقٍ ماديٍّ ونفسيٍّ ضاغط.
إنَّ كَثيراً من مَبادئنا هي مُجردُ "نظرياتٍ" لم تُوضَعْ بَعْدُ في مِعْمَلِ التجربةِ الحقيقية. نحنُ لا نَعْرِفُ كَيْفَ سَنَتصرفُ إذا فُتحتْ لنا أبوابُ المالِ الحرام ونحنُ في قِمّةِ الحاجة، أو إذا غَوَتْنَا الشُّهرةُ ونحنُ في قِمّةِ التهميش. لذلك، فإنَّ الحالةَ الأنسبَ للمؤمنِ بمبادئِه هي "الامْتِنان" للستر، لا "الفخر" بالخلاص.
. المَنظورُ العِلْميُّ للتَّعاطُف
عِوضاً عن "مُعايَرَةِ" الآخَرين بذنوبٍ نَحنُ بَعيدون عنها، يَجْدُرُ بنا تبنِّي مَنْظورِ "التواضعِ المعرفي" . فالعِلْمُ يُخبرنا أنَّ خلفَ كلِّ خطيئةٍ "سياقاً" لا نراه؛ رُبما كانَتْ تربيةً قاسية، أو ضَعفاً في بِنْيَةِ الإرادةِ ناتجاً عن صدماتٍ قديمة.
إنَّ إدراكنا لِحقيقةِ أننا "مشاريعُ خطّائين" مؤجلة، يمنحنا القُدرةَ على نَقْدِ "الفِعْلِ" دونَ احتقارِ "الفَاعِل"، ويجعلنا ننشغلُ بترميمِ حُصوننا الداخليةِ بدلاً من مراقبةِ الثغراتِ في حُصونِ الآخَرين.
«وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا»
السؤالُ الحقيقي
في النهاية، ليسَ الذكاءُ في أن تظلَّ ثيابُك بيضاء لأنك لم تَقْتَرِبْ من الطِّين، بل المعجزةُ هي أن تظلَّ بيضاء وأنتَ تغوصُ في وسطِه.
سؤالٌ لك عزيزي القارئ:هل تجرأتَ يوماً وسألتَ نفسَك: هل أنا "شخصٌ صالحٌ" حقاً، أَمْ أنَّ الحياةَ لم تَعْرِضْ عليَّ الثَّمَنَ الذي يَكْسِرُ
مَبادئي بَعْد؟


فنصل إلى إن أخلاقنا التي نعتز بها قد تكون مجرد ديون سددتها لنا الظروف الهادئة؛ فنحن لا نعرف حقيقتنا إلا في اللحظة التي تُفتح أمامنا أبواب الفساد بلا رقيب، الصلاح الذي لم يُختبر بالقدرة على الشر ليس فضيلة 🤍
رهيب رهيب رهييييب، سلمت أناملك🤍