من أقصى حواف النسيان، حيث يمتزج صخب موانئ الإسكندرية بملوحة البحر وأنفاس الخوف، تبدأ حكايتنا. حكايةٌ لم تروها السينما كما حدثت في الواقع؛ فالشاشات منحتنا وجوهاً مرعبة بنظراتٍ حادة كالمواسي، لكن التاريخ -المدفون في أوراق التحقيقات وبلاغات قسم اللبان- يروي قصةً أخرى. قصة بشرٍ طحنهم زمانهم، فصاروا يطحنون مَن حولهم بلا رحمة.
اربطوا أحزمتكم، ولنعد بالزمن مئة عام وأكثر، إلى مصر في عهد السلطنة المصرية والاحتلال البريطاني، لننبش التراب عن المقبرة الجماعية الأشرس في تاريخ الجريمة المصرية: ملحمة "ريا وسكينة".
1. وجوه من طين الصعيد: ما لم تروه الشاشات
لو سألت عابراً في شوارع الإسكندرية اليوم عن "ريا وسكينة"، لشارَ ببصره نحو حي الأنفوشي أو بحري، ظناً منه أن كرموز واللبان هما مسقط رأس الأختين. لكن الحقيقة ترقد في أقصى جنوب مصر، حيث الشمس الحارقة والتقاليد الصارمة.
في قرية "كلح الجبل" التابعة لمركز إدفو بمحافظة أسوان، ولد الأخوان: "أبو العلا" عام 1873، وتلته "ريا" عام 1875، لأبٍ يدعى "علي بن همام" وأم تدعى "زينب بنت مصطفى". لم يطل المستقر بالأسرة في أسوان، فحملوا متاعهم القليل وهاجروا شمالاً إلى سوهاج، ومنها إلى بني سويف حيث ولدت الأخت الصغرى "سكينة" عام 1885. وبشكلٍ غامض يلفه ليل الصعيد، اختفى الأب، لتجد الأم نفسها وحيدة مع أطفالها، يدفعهم الفقر دفعاً حتى انتهى بهم المطاف في الدلتا، وتحديداً في "كفر الزيات".
[قرية كلح الجبل - أسوان] ──> [سوهاج] ──> [بني سويف (مولد سكينة)] ──> [كفر الزيات]
• 2. جحيم عام 1875: حين يلد الجوع أظافراً قطّاعة
الشر لا يولد عملاقاً، بل يرضع من ثدي الكوارث حتى يقوى عوده. لكي نفهم كيف تبلدت أحاسيس الأختين، علينا أن ننظر إلى العام الذي ولدت فيه ريا؛ عام 1875.
في ذلك العام، ضرب الصعيد فيضانٌ جارف، لم يترك بيتاً من طين أو بوص إلا وهدمه، ولم يدع زرعاً إلا وأغرقه. وما إن انحسر الماء، حتى حلّ جفافٌ قاحل تسبب في مجاعةٍ طاحنة. وثق الكاتب البريطاني "ويليام لوفتي" في مذكراته مشاهد تقشعر لها الأبدان؛ فلاحون يتحولون إلى هياكل عظمية يحتضرون على قوارع الطرق، وأطفالٌ يبحثون عن التبن ليأكلوه من فرط الجوع.
"الناس يتحولون إلى هياكل عظمية يحتضرون في الشوارع، ويأكلون التبن من فرط الجوع الطاحن." — ويليام لوفتي
وزاد الطين بلة سياسة الخديوي إسماعيل؛ فالديون كانت تخنق الدولة، والجباة يطوفون القرى بالكـَرَابِيج، يجلدون ظهور الفلاحين لجمع الضرائب نقداً، حتى وإن كان الفلاح لا يملك ثمن رغيف الخبز. في هذه البيئة، التي أصبح فيها الموت مجرد تفصيلة يومية عادية، نشأت ريا وسكينة، وتعلمتا أن البقاء للأقوى.. أو للأكثر قسوة.
3. كفر الزيات: نصاب الشاي والزواج بفارق 14 عاماً
رست سفينة الأسرة في "كفر الزيات"، المدينة التي كانت تشهد آنذاك ازدهاراً كبيراً بسبب محالج القطن. عملت سكينة وأبو العلا كعُمال أجراء في تلك المحالج، بينما نصبت الأم وريا "نَصْبَة شاي وطعمية" على أبواب المصانع لإطعام العمال.
هنا، ظهر في حياة ريا رجلٌ أسواني تزوجها وأنجبت منه طفلاً سمته "محمود"، لكن الزوج أصيب بالسل ومات. وقبل وفاته، جاء شقيقه الأصغر "حسب الله سعيد الجيراني" -وكان شاباً في العشرين من عمره، يعمل بواباً لفيلا يوناني بالإسكندرية- ليرعى شقيقه. بعد الوفاة، وتطبيقاً للعرف، تزوج حسب الله من ريا للحفاظ على ابن أخيه، رغم أنها كانت تكبره بـ 14 عاماً كاملة (هي في الـ 34 وهو في الـ 20).
لكن الموت كان يطارد ريا؛ مات طفلها محمود قبل أن يكمل عامه الأول، وهو مصيرٌ واجه 40% من مواليد مصر وقتها بسبب الأوبئة وغياب الرعاية. تلاه أطفالها الآخرون (أبو العطا، فاطمة، ونبوية)، ولم يكتب العمر سوى لطفلة واحدة عانت الأمرين.. "بديعة".
ولأن العمل في المحالج كان موسمياً يمتد لأربعة أشهر فقط، ويترك العمال فريسة للفقر لثمانية أشهر، بدأ رجال العائلة يهربون من واقعهم بتعاطي "المنزول"، وهو خلطة مدمرة من الأفيون والحشيش وجوزة الطيب ونبات "التاتورة" السام. قاد الإدمان حسب الله إلى السرقة وسُجن ستة أشهر، وحين قُبض عليه مجدداً، اعترفت ريا على نفسها لحمايته، ودخلت السجن بدلاً منه لنصف عام حتى لا ينال عقوبة مغلظة بصفتِه صاحب سوابق.
في هذه الأثناء، انفرط عقد سكينة؛ تركت كفر الزيات وتوجهت إلى طنطا، وهناك سجلت نفسها رسمياً في قسم الشرطة كعاهرة برخصة (كانت تُسمى في الدفاتر الرسمية "مقطورة"). وبعد إصابتها بمرض جنسي ودخولها المستشفى، نشأت قصة حب بينها وبين ممرض يدعى "أحمد رجب"، فُصل من عمله بسببها، ليقررا الهروب معاً إلى الإسكندرية.. محطتهما الأخيرة.
4. فيلق "السُّلْطَة": كيف تموت القلوب البشرية؟
تزوج أحمد رجب من سكينة في عروس البحر، لكن عام 1914 حمل معه مأساة "الحرب العالمية الأولى". أغلقت المحالج، توقفت حركة التصدير، وسُرّح العمال. ضرب الجوع المدينة، وارتفعت نسبة الوفيات بمعدل 100%. توثق المؤرخة "لطيفة محمد سالم" تلك الفترة قائلة إن عصابات السرقة وسلطة الأشقياء فرضت نفسها على الشوارع بعد أن تحول العمال البؤساء إلى قطاع طرق.
تحول أحمد رجب إلى شحاذ، وعملت سكينة في بيع القصب وسرقة "لحمة الإنجليز العفنة" من مستودعات الجيش البريطاني في سيدي بشر لتطعم نفسها. وفجأة، خرجت ريا من السجن ووصلت إلى الإسكندرية برفقة حسب الله والأم وأبو العلا والطفلة بديعة، ليتكدسوا جميعاً في غرفتي سكينة الضيقتين.
عجز أحمد رجب عن الإنفاق على هذه العائلة الففيرة، فاضطر للالتحاق بـ "فيلق العمال المصري"، أو ما كان يُعرف شعبياً بـ "السُّلْطَة".
جحيم "السُّلْطَة" وصناعة القلوب الـميتة
كان هذا الفيلق سُخرة مقنعة فرضها الاحتلال البريطاني؛ اقتياد الفلاحين والصعايدة في قطارات بضائع مغلقة إلى جبهات حرب فلسطين والشام وأوروبا لحفر الخنادق ونقل الذخائر. شارك فيه نحو نصف مليون مصري، مات منهم 50 ألفاً دُفنوا في مقابر مجهولة.
وجسدت هذه المأساة الإنسانية تلك الـصيحة العفوية التي انطلقت من حناجر الأمهات والزوجات في ريف مصر وصعيدها، يبكين خلف قطارات البضائع التي تبتلع رجالهن؛ وهي البكائية الفلكلورية الشهيرة التي التقطها فنان الشعب سيد درويش من قلب الشارع، وصهرها في لحنه الخالد مستصرخاً:
"يا عزيز عيني وأنا بدي أروح بلدي.. السُّلْطَة خدت ولدي.. يا عزيز عيني"
يرى الكاتب الكبير "صلاح عيسى" في كتابه الشهير "رجال ريا وسكينة" أن العمل في هذا الفيلق هو الرابط النفسي المشترك بين رجال العصابة (حسب الله، عبد العال، وعرابي حسان)؛ هناك، وسط الأشلاء والجثث الملقاة في العراء بلا قيمة، تبلدت أحاسيسهم تماماً تجاه الجسد البشري، وأصبح قتل إنسان عندهم لا يختلف عن ذبح دجاجة.
5. خلف الأبواب المغلقة: خبايا اللبان وعالم العوايق
في غياب أحمد رجب، تحولت غرف سكينة إلى بيت دعارة سري. كانت هذه البيوت تزدهر في الإسكندرية وتفوق البيوت المرخصة بأربعة أضعاف، هرباً من الفحوصات الطبية المهينة في الأقسام، ولأنها تمنح النساء حرية أكبر كـ "عمل حر".
أدارت العصابة هذا العمل بهيكل إداري دقيق:
• العايقة أو البدرونة: وهي الـمديرة والمسؤولة (سكينة).
• السحّابة: التي تصطاد الفتيات البائسات، وكانت ريا تمتلك عيناً خبيرة في قنص الضحايا من الأسواق.
• القوّاد: الـمشرف المالي والإداري، وهو الدور الذي أتقنه حسب الله.
• البرمجي (البوديجارد): الفتوة وعشيق المديرة، واستعانت العصابة بالشاب "عرابي حسان" ليلعب هذا الدور.
في هذا الـمحيط، ظهر عربجي شاب يدعى "محمد عبد العال"، وقعت سكينة في غرامه رغم أنها لا تزال على ذمة أحمد رجب. وحين عاد رجب من الفيلق ووجد زوجته قد استبدلته بعبد العال، انسحب من المشهد بهدوء، مستسلماً للواقع، بينما غرقت سكينة في إدمان الخمور.
انتقلت العصابة بعد ذلك إلى ثلاثة بيوت قرب قسم شرطة اللبان (بيتا 8 و9 حارة النجا، وبيت 38 شارع علي بيك الكبير). في الطابق الأرضي لبيت علي بيك الكبير، افتتحوا "محشاشة" (غرزة)، وانضم إليهم فتوة إسكندراني يدعى "عبد الرازق يوسف" يحمي المكان مقابل الخمر والنساء مجاناً.
6. الدم الأول: خناجر المنديل المبلل وذهب خضرة
كيف غفل البوليس عنهم كل هذا الوقت؟ الإجابة بسيطة: كان البوليس في ذلك الوقت مشغولاً بمطاردة مدمني الكوكايين والهيروين (المخدرات البيضاء) التي جعلت الناس يقتلون في الشوارع، بينما كان يُنظر لرواد المحشاشات (المخدرات السوداء) على أنهم كسالى لا ضرر منهم. أضف إلى ذلك أن مصر كانت تغلي بـ ثورة 1919؛ المظاهرات تملأ الإسكندرية، والقنابل تُلقى على الوزراء، وحظر التجوال يفرض نفسه، فكانت الأولوية للأمن السياسي لا للجنائي.
الضحية الأولى: خضرة محمد اللامي (21 ديسمبر 1919)
كانت خضرة سيدة أربعينية وجدة، تعمل في الدعارة السرية لتعول زوجها القعيد. ولأن التضخم الاقتصادي كان مرعباً، كانت تحول كل قرش تملكه إلى ذهب تضعه في معصمها وصدرها. زغلل الذهب عيون العصابة المفلسة، فقرروا أن تكون البداية بها.
[استدراج الضحية] ──> [سقيها خمر السكلانس] ──> [كتم الأنفاس بالمنديل المبلل]
استدرجوها بحجة أن عبد الرازق يريدها، وسقوها خمراً مغشوشة ثقيلة تُدعى "سكلانس" حتى غابت عن الوعي. انسحبت ريا وسكينة من الغرفة، وثبّت عبد العال رجليها، وشلّ عبد الرازق ذراعيها، وأمسك حسب الله برأسها، بينما قام عرابي حسان بكتم أنفاسها بمنديل مبلل بالماء حتى فارقت الحياة.
تخشبت جثة خضرة وهي في وضع القعود المربع فوق الكنبة، فاضطروا للحفر عميقاً تحت أرضية المحشاشة لتسعها. باعت ريا وسكينة مصاغها لصائغ يدعى "علي حسن" (شيخ الموازين) بنصف سعره وبدون بون تسجيل بـ 18 جنيهاً، قُسمت بين أفراد العصابة (3 جنيهات لكل فرد). وقُيد بلاغ غيابها الذي قدمه ابنها ضد مجهول بسبب إهمال القسم.
17 ضحية في 11 شهراً
خلال خمسة أسابيع فقط، لحق بخضرة خمس ضحايا آخرين، منهن: نظلة أبو الليل، عزيزة، نبوية صديقة سكينة، ونبوية بنت جمعة، وزنوبة بنت موسى، بالإضافة إلى امرأة مجهولة واجهتها ريا في سوق كرموز ولم يستدل على اسمها. كان اختفاء النساء أمراً عادياً وقت الثورة؛ فالناس يموتون في المظاهرات برصاص الإنجليز دون تسجيل، والضحايا كن من قاع المجتمع لا نفوذ لأهلهن ولا مال يبحثون به عنهن.
وعند قتل الضحية رقم 12 (أنيسة رضوان)، واجهت العصابة أزمة؛ المقبرة تحت بيت علي بيك الكبير امتلأتِ ! نبشت ريا القبر، وأخرجت جثة قديمة متعفنة وضعتها في شوال ورمتها في خرابة. عثر المارة على جمجمة واكتشف البوليس الأمر، لكن المحضر قُيد ضد مجهول لعدم التعرف على الملامح. بعد هذه الواقعة، توقفت العصابة عن رمي الجثث، وبدأت بالدفن داخل البيوت الأخرى في حارة النجا وحارة مكاريوس حتى وصل العدد إلى 17 جثة.
7. طبلية عشماوي: الكلمات الأخيرة تحت الكيس الأسود
لم يكتشف البوليس الجريمة بذكائه، بل كشفتها "لعنة الإيجار المتراكم". شحّت الضحايا، فعجزت العصابة عن دفع إيجار الغرف، فطردهم أصحاب البيوت وأجّروها لأشخاص آخرين.
استأجر غرفة شارع علي بيك الكبير شخص يدعى "أحمد مرسي"، وطلب من صاحب البيت اليوناني (الخواجة رادوبولو) إدخال المياه والصرف الصحي للغرفة. وأثناء قيام السباك برفع البلاط والحفر، ضربت الفؤوس كتلة طرية، وفاحت رائحة عفونة لا تُطاق. ومع استمرار الحفر، ظهرت جثة امرأة يلمع الذهب في عظامها، ليتم إبلاغ اليوزباشي "إبراهيم حمدي"، وتنكشف المقبرة الجماعية.
في غرف التحقيق، كان الرجال والنساء ينكرون ببراعة ويرمون التهم على بعضهم البعض، حتى ارتكب المحقق ذكاءً قاطعاً؛ عزل الطفلة بديعة (ابنة ريا وحسب الله)، وقدم لها الحلوى والأمان. وبتلقائية الأطفال، حكت بديعة كل شيء: وصفت كيف كانوا يسقون النساء "الخمر"، وكيف يضعون المنديل المبلل على وجوههن، وأشارت بأصبعها الصغير إلى مواضع الحفر تحت الأرض، لتنهار العصابة وتعتمد اعترافاتها.
الأنفاس الأخيرة فوق الطبلية
في سجن الحضرة بالإسكندرية، نُفذ حكم الإعدام:
• الأربعاء 21 ديسمبر 1921: سِيقَت ريا أولاً، وكانت أول امرأة يُنفذ فيها الإعدام في تاريخ القضاء المصري الحديث، دخلت مذهولة وترتعش وتردد: "أنا مظلومة"، وصاحت قبل وضع الكيس الأسود: "أودعك يا بديعة يا بنتي، سامحيني". تلتها سكينة التي واجهت عشماوي بجرأة قائلة: "هو أنا رايحة أهرب.. أنا صحيح ولية ولكن جدعة والموت حق"، ثم أُعدم حسب الله وهو يقول للمأمور: "شد واربط زي ما أنت عاوز، أهو كله موت".
• وفي الخارج، كانت النساء يرقصن ويغنين بحفاء: "عاش اللي شنق ريا.. عاش اللي شنق سكينة".
• الخميس 22 ديسمبر 1921: أُعدم بقية الرجال: عبد الرازق يوسف، عرابي حسان، ومحمد عبد العال الذي دخل هادئاً وقال لجلاده: "كتف.. شد حيلك".
وفي مفارقة تاريخية عجيبة، في اليوم التالي مباشرة للإعدام (الجمعة 23 ديسمبر 1921)، ألقى الإنجليز القبض على الزعيم الوطني سعد زغلول ونفوه إلى جزيرة سيشل، لتشتعل البلاد بالثورة السياسية، وتُطوى صفحة العصابة الأبشع في تاريخ مصر، تاركة وراءها لغزاً ونسيجاً من الدموع والدم والرماد.



https://youtu.be/wVWdAk-BoEo?si=V3BnVqPey5lRygBg
لينك أغنية سيد درويش