المقدمة: النفس الملغزة
لم يكن الحسن بن هانئ -المعروف بأبي نواس- مجرد شاعر مر على تاريخ الأدب العربي، بل كان ظاهرة وجودية حارت في تفسيرها العقول. هو الرجل الذي أقام الدنيا ولم يقعدها، وعاش مُمزقاً بين طين اللذة الشهوانية العارمة، وبين نور التضرع الزاهد المبكي. كان عصيّاً على التنميط والتأطير، فجمع في بيئته الشعرية النقيضين حتى صار كمن يمشي على حبل مشدود بين الجحيم والفردوس، لينطبق عليه بيته الشهير تمام الانطباق:
فقل لمن يدعي في العلم فلسفةً .. حفظت شيئاً وغابت عنك أشياءُ
الفصل الأول: بين كؤوس الندامى وعصيان إبليس
في هذا المدار الصاخب، يبرز أبو نواس كأمير غير متوج لشعر الخمر والمجون؛ رافعاً راية التمرد العنيف على مواريث القبيلة، حتى استحالت الخمرة عنده إلى معبود يُطاف حوله، صارخاً في هذيانِه التهكمي:
دع المساجد للعباد تسكنها .. وطف بنا حول خمار يسقينا
ما قال ربك ويل للذين سكروا .. ولكن قال ويل للمصلّينا
لم يقف تمرده عند حدود المجاهرة بالفسق، بل بلغ مداه النفسي حين استخدم "التوبة" نفسها -في إحدى قصائده- كسلاحِ ابتزازٍ ضد إبليس ! فقد هدد الشيطان بأنه سيتوب إلى رحاب التقوى ويستغفر، ما لم يسهل له إبليس طريق الوصال بمحبوبه؛ في جرأة مجنونة لم يعرفها السجل الشعري من قبله.
ومع ذلك، حين غضب عليه الخليفة الأمين وهمّ بقتله، انقلب هذا المجون إلى تذلل درامي ساحر، يستعطف فيه الملك بأبيات مشحونة بالهوى والتقيّة قائلاً:
يا قاتل الرجل البريء وغاصباً عزّ الملوك
كيف السبيل للثم سالفتيك أو تقبيل فيك؟
الله يعلم أنني أهوى هواك، وأشتهيك
وأصدّ عنك، حذار أن تقع الظنون عليَّ فيك
الفصل الثاني: دموع التائب في هزيع العمر
لكن هذا "الطين" المنغمس في اللذة، كان يخبأ في أعماقه روحاً شديدة الهشاشة، سرعان ما تنفجر عند الهزيع الأخير من العمر تبتلاً وزهداً. ترك أبو نواس مقطوعات في النسك والتضرع تهتز لها القلوب، وعلى رأسها رائعته السامقة:
يا ربّ إن عظمت ذنوبي كثرةً .. فلقد علمت بأن عفوك أعظمُ
إن كان لا يدعوك إلا محسنٌ .. فمن الذي يرجو ويدعو المجرمُ؟
أدعوك ربي كما أمرت تضرعاً...
بلغت هذه الأبيات النواسية من الشجن والصدق الوجداني مبلغاً جعل شاعراً كبيراً بحجم "أبي العتاهية" -وهو زاهد الشعراء- يقول في حسرة أدبية: "لقد قلتُ في الزهد عشرين ألف بيت، ووددتُ أن لي مكانها الأبيات الثلاثة التي قالها أبو نواس".
الفصل الثالث: شعرٌ يرسم وصورةٌ تُلهم الخليفة
خلف ستار السكر واللهو، كان يختبئ عقل موسوعي صلب. هضم أبو نواس علوم عصره بعمق، وتتلمذ على يد دهاقنة الأدب والرواية؛ أمثال "والبة بن الحباب" و"خلف الأحمر". ويُروى أن خلفاً الأحمر أمره أن يحفظ ألف مقطوعة للعرب ثم ينساها كلها، في تكنيك نفسي عبقري لصقل موهبته حتى لا يقع في فخاخ التقليد، بل ينطق الشعر من خلال لا وعيه مصبوغاً ببصمته الخاصة.
لم يكن عابثاً في نظر أهل العلم، بل كان راوية ثقة روى عنه علماء كبار الحديث والشعر، ومنهم الإمام الشافعي. لكن ميزته الكبرى تجلت في ثورته التجديدية؛ حيث رفض رفضاً قاطعاً المقدمات الطللية البائدة والبكاء على رماد الخيام، معلناً الانحياز للحظة الآنية الحاضرة. كما تفرد ببراعة سينمائية مذهلة في صياغة الحوار القصصي ورسم المشاهد الدرامية، وتتجلى هذه العبقرية البصرية في إحدى روائع نوادره مع الخليفة هارون الرشيد.
يُحكى أن الخليفة دخل ذات يوم مقصورةً، فوجد فيها جاريته "الخيزران" وهي تغتسل؛ فلما باغتَها، سارعت بدافع الحياء الفطري إلى تغطية جسدها مستعينة بشعرها الطويل الفاحم الذي كان يكسوها. انطبع المشهد في مخيلة الرشيد، فلما عاد إلى مجلسه وبحضوره أبو نواس وبشار بن برد، حكى لهما ما رأى، طالباً منهما نظم أبياتٍ تختزل هذا السحر.
بدأ بشار بن برد بنظم أبيات تقليدية جميلة قال فيها:
تحبّبتمُ والقلب صار إليكمُ .. بنفسي ذاك المنزل المتأحبّبُ
لكن الخليفة وجدها عادية لم تصل إلى عمق المشهد. وهنا جاء دور أبي نواس، فارتجل دون تفكيرٍ أبياتاً كأنها كاميرا تلتقط أدق حركات الضوء والظل:
نَضَت عنها القميص لصبّ ماءِ .. فورّد خدّها فرطُ الحياءِ
وقابلت الهواءَ وقد تعرّت .. بمعتدلٍ أرقَّ من الهواءِ
ومدّت راحةً كالماء منها .. إلى ماءٍ معدٍّ في إناءِ
فلما أن قضت وطراً وهمّت .. على عجلٍ إلى أخذ الرداءِ
رأت شخص الرقيب على التداني .. فأسبلت الظلام على الضياءِ
فغاب الصبح منها تحت ليلٍ .. وظلّ الماء يقطر فوق ماءِ
ذهل هارون الرشيد من هذه الدقة البصرية، واستوقفته تلك الصورة الإعجازية ("فأسبلت الظلام على الضياء"، و"فغاب الصبح تحت ليل")؛ حيث تحول الشعر إلى لوحة ملموسة تصف كيف غطى سوادُ الشعر ليلَ الجسد الأبيض الصبوح، حتى صرخ الخليفة مصدوماً: "أخرب بيتك! أمعنا كنت؟" (ظنّاً منه أنه استرق النظر من فرط مطابقة الوصف للواقع)، فنفى أبو نواس ذلك مؤكداً أنه محض خيالٍ وشاعرية، فأمر له الخليفة بأربعة آلاف درهم مكافأة على هذا الإعجاز الفني.
الفصل الرابع: الشاعر في عيون ثلاثة فلاسفة
حار مفكرو العصر الحديث في ترجمة هذا الشرخ النفسي العميق في كيان الشاعر، فانقسموا إلى مدارس ثلاث:
1. المدرسة الفرويدية (د. محمد النويهي)
أرجع الدكتور النويهي لغز أبي نواس إلى "عقدة أوديب" المَرضية؛ فقد كان افتتانه الطاغي بالخمر بديلاً أنثوياً يعكس حرمانه المبكر من أمه التي تزوجت بعد وفاة أبيه. هذا الفقد ولّد لديه غيرة جامحة وخوفاً عميقاً من غدر النساء، فانكفأ على الخمر يستمد منها حنان الأمومة المفقود.
2. مدرسة النرجسية (عباس محمود العقاد)
أما العقاد، فقد نزع عنه كل قداسة، رائياً أنه شخصية نرجسية حادة تعشق لفت الأنظار والمجاهرة بالمعاصي رغبة في الفخر الطائش. وأعاد العقاد ذلك إلى وسامته الجسدية، ودلال أمه المفرط له، متأثراً بعقلية "الشطار والمشردين" في عصره، بل وذهب إلى أن أشعار زهده لم تكن إلا مشاهد مصنوعة لإتمام اللعبة المسرحية لشخصه.
3. مدرسة البؤس الأبيقوري (عميد الأدب طه حسين)
رفض طه حسين التحليلات النفسية السابقة، ورأى أن أبا نواس كان يحمل قلباً بائساً ونظرة شديدة التشاؤم من الحياة، تشبه تماماً فلسفة "أبي العلاء المعري". لكن بينما واجه المعري تشاؤمه بالحرمان والاعتزال، اختار أبو نواس الطريقة الأبيقورية؛ فقابل عبثية الحياة بالارتماء في أحضان اللذة الآنية، كأنما يخدر رعب الفناء بكؤوس المدامة.
الفصل الخامس: حكايات لا تنتهي ونهاية خلف السجون
مع مرور الزمن، تحول اسم "أبي نواس" إلى مغناطيس تاريخي هائل، تنسب إليه المصادر العربية والأجنبية (كما في أساطير ألف ليلة وليلة) كل طرفة، ونادرة، ومجون، بغض النظر عن حقيقة صدقها، ليصبح نسخة أدبية ثقيلة من شخصية "جحا". كما أن عدم جمعه لديوانه بنفسه فتح باباً واسعاً للشك النقدي حول ما نُسب إليه.
الخاتمة: النوم في رداء المغفرة
رحل أبو نواس عن الدنيا بعد فترة قصيرة من سجنه على يد الأمين، لكن حكايته لم تنتهِ؛ إذ تروي كتب التاريخ أن أحد أصدقائه رآه في المنام بعد موته، فسأله: "ما فعل الله بك؟"، فأجاب الشاعر بثقة المطمئن: "غفر الله لي بأبيات قلتها في الزهد والتضرع".
ليبقى أبو نواس، حتى في غيابه الأبدي، أحجية عصية على الفهم، رجلاً
نام على رداء المعصية، واستيقظ في رحاب المغفرة، تاركاً لنا لغزاً طويلاً؛ وفي الختام، يبقى السؤال معلقاً : هل كان مجون أبي نواس مجرد قناع يخفي خلفه رعب الفناء، أم أن توبته الأخيرة كانت هي الحقيقة الكاملة التي فتش عنها طوال حياته؟

