أقف كل يوم أمام ستار خفي نسجته بنفسي، ستار يسميه العالم "التميز"، وأسميه أنا "عُقدة المثالية". لقد تعودت أن أمشي في الحياة كمن يسير على حبل مشدود؛ أي مجال أطأ قدمي فيه، يجب أن أكون فيه الماهرة الأولى، وبسرعة خاطفة تختصر الزمن. لا أقبل بأن أكون عابرة، ولا أرضى بأن يمر حضوري دون صدى. ولكن هذا الشغف لم يكن نوراً لي، بل كان ناراً تأكل مسرتي بالهدوء والتعلم.
لم يقتصر هذا الهوس على دفاتر الدراسة التي أصر أن أكون فيها الأفضل دوماً، بل امتد إلى مرآتي. أمام سطوة "السوشيال ميديا" وتلك الصور البراقة التي تعرض كمالاً زائفاً، وجدت نفسي أخوض حرباً يومية لأكون في شكل مُرضٍ لي، بل مثالي من كل جانب.
أجدني أركض في كل اتجاه؛ روتينات العناية بالبشرة (الـسكين كير) المكثف، تفاصيل المكياج التي يجب ألا تشوبها شائبة، هندمة الملابس وتنسيق الإكسسوارات لمواكبة آخر الصيحات والتقاليع.. حتى صار عقلي مبرمجاً على السعي الدائم لأكون الأجمل والأكمل. بل إني جعلت من قاعة الألعاب الرياضية (الجيم) معماراً نفسياً، لم أذهب إليه غاية في الصحة، بل لأحسن من تقاسيم جسدي حتى أصل لتلك الصورة المثالية المستبدة.
ولكن، ما خفي عن الناس كان أعظم؛ فهذا الحصن المثالي الذي أبنيه هو في الحقيقة زجاج هَشّ. مكينة المقارنات في عقلي لا تتوقف عن الدوران ثانية واحدة. ما إن ألمح أحداً يفوقني في أمرٍ ما، حتى ينهار كل ما بنيته، وتهتز ثقتي في نفسي كأنها لم تكن يوماً. أبدأ في استحقار ذاتي، وتبدو لي شخصيتي نحيلة ضعيفة أمام أقل بادرة نقص. حينها، أمسح كل إيجازاتي، وأعود لنقطة الصِّفر أبدأ الرحلة المضنية من جديد.
إنه ركض أبدي خلف سراب، ركض متعب، مرهق نفسياً لدرجة لا وصف لها. أعيش في قلق دائم من السقوط، وفي خوف مستمر من أن أكون "عادية".
الاعتراف الأخير
والأكثر مرارة في كل هذا، أنني لا أملك طوق نجاة أقدمه لكم أو لنفسي. أنا لا أكتب هذا المقال لأمنحكم حلولاً نفسية أو خططاً للتعافي؛ فأنا نفسي لا أعرف كيف أعالج روحي من هذه العقدة المتجذرة. أنا فقط أفتح صدري لأقول إن المثالية ليست فضيلة، بل هي القيد الحريري الذي يخنق صاحبه وهو يبتسم.
أيها المتأمل..
هل نحن نبحث عن الكمال حقاً لإرضاء أنفسنا، أم أننا ضحايا لعالم افتراضي أقنعنا أن العفوية بشاعة، وأن النقص جريمة؟


قد نكون ضحايا انفسنا ،نحن من نطفئ عقولنا ونسير مقنعين انفسنا بالمثاليه ، ونحن نعلم يقينًا أنه مصطلح غير كامل يختزل في كلمة مصطنعه