جدلية العطاء المسلوب: هل فاقد الشيء لا يعطيه؟
طالما ترددت على مسامعنا المقولة التراثية الشهيرة "فاقد الشيء لا يعطيه"، كقاعدة حتمية تُطبَّق على النفس البشرية دون مراعاة لتعقيداتها. بيد أن التشريح النفسي والأدبي الحديث يثبت أن هذا القالب الجاهز يفتقر إلى المرونة؛ فالعاطفة الإنسانية ليست خزينة مادية إذا فرغت أعلنت إفلاسها، بل هي كيان ديناميكي يتفاعل مع الألم بطرق متباينة، تجعل من "الفقد" نفسه دافعاً لأعظم صور العطاء، أو سبباً في أقسى نماذج الحرمان.
بين الفاقد والمستفقد: التمايز السيكولوجي
لفهم هذه الظاهرة، ينبغي لنا تعريف طبيعة الحرمان علمياً؛ وهنا نجد فرقاً جوهرياً بين "الفاقد" و"المستفقد":
• الفاقد: هو مَنْ لم يجرّب الشيء من الأساس، ولم يدخل في بنيته النفسية مفهوم هذا الأمر؛ كطفل نشأ في بيئة جافة تماماً، لا يعرف معنى الاحتواء أو الاهتمام، فيغدو المفهوم لديه لغة أجنبية لا يجيد التحدث بها.
• المستفقد: فهو مَنْ جرّب المعنى، وعاش دفأه، وتذوّق طعمه، ثم انتُزع منه مع التقدم في العمر أو لظروف قاهرة. هذا الصنف يعي جيداً حجم الفجوة التي تركها الغياب، ولأنه يحمل "الذاكرة العاطفية" للشيء، فإنه يكون أقدر على منحه للآخرين، لأنه يستحضره بشوق في حياته.
نسبية الأثر: التكرار القهري مقابل التعويض
إن ارتداد الفقد على السلوك الإنساني هو أمر نسبي وحرج جداً، ويعتمد بشكل كلي على بنية الشخصية ومستوى وعيها. في علم النفس، ثمة مفهوم يُعرف بـ "التكرار القهري" (Repetition Compulsion) ؛ حيث يعمد بعض الأشخاص -بوعي أو بدون وعي- إلى ممارسة نفس الحرمان الذي عاشوه على من حولهم. يمنعون الاهتمام عن أبنائهم لأنهم حُرموا منه، فيعيدون إنتاج الأذى في دائرة مغلقة تمزق كل الأطراف القريبة.
وعلى النقيض من ذلك، يقف بشر آخرون لا يكادون يجدون الفرصة السانحة حتى ينفجروا عطاءً؛ يتخذون من فقدهم دافعاً لتعويض ذلك الإحساس في نفوس مَنْ يحبونهم. وهنا يتجلى قول الأديب جُبران خليل جُبران عندما قلب المعنى قائلاً: "فاقد الشيء يعطيه بالشكل الذي تمنى أن يحصل عليه" . إنه العطاء النابض من رحم الحرمان، حيث يتحول الفاقد إلى كائن هو "أحنّ مَنْ يُعطي"، لأنه يعلم تماماً مرارة أن يبقى الإنسان جائعاً لكلمة أو لفتة.
الهوس بالمفقود وجماليات الغياب
لقد قارب أديب نوبل نجيب محفوظ هذه الظاهرة من زاوية تحليلية بليغة حين قال: "فاقد الشيء لا يعطيه بل يتحدث عنه كثيراً" . هذا التحدث المُفرط هو رد فعل نفسي لتعويض الغياب بالحضور اللفظي. ولأجل هذا، في الأمور المعنوية، قد يكون فاقد الشيء هو أبلغ مَنْ يتكلم عنه وأكثر مَنْ يُقدّر قيمته؛ فأفضل مَنْ يتحدث عن "بر الوالدين" ويُعظّم هذه النعمة هو اليتيم الذي عاش لوعة اليتم، وأفضل مَنْ يشرح قيمة "الصحة" ويُعلّم الناس رعايتها هو المريض الذي ينهشه السُّقْم. الغياب هنا يمنح الرؤية عمقاً لا يملكه المنغمسون في النعمة.
دستور الإنسانية: أدب الرعاية
وإذا كان الفقد يصنع هذه الندبات الغائرة في النفوس، فإن الأدب الرفيع والإنسانية المستقيمة تفرض علينا دستوراً أخلاقياً صارماً: أن لا نتحدث أمام الفاقد عما فقد. فمن قلة المروءة أن تتباهى بدفء عائلتك أمام لقيط، أو تستعرض وافر صحتك أمام مَنْ أقعده المرض. إن رعاية هذه المشاعر هي التجسد الحقيقي للنبل.
في نهاية المطاف، يتضح لنا أن قاعدة "فاقد الشيء لا يعطيه" تصدق في الماديات المحضة، لكنها تسقط أمام سحر الروح البشرية؛ فالقلوب العظيمة قادرة على أن تغرس في صحاري حرمانها حدائق من الحنان للآخرين، رافضة أن يسقي عالمها من نفس الكأس المُرّة التي تجرّعتها.
أيها الواقف على عتبات القلوب..
إذا كان الفقد يحمل هذه القوة التدميرية والتعويضية معاً، فهل تصنعنا الأشياء التي نحصل عليها في حياتنا.. أم أن تلك التي نفقدها هي التي تعيد صياغتنا للأبد؟


جميل... لطالما فكرت في الموضوع والأن وجدت إجابته في مقالك 🤍